الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
383
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
توجه الإنذار والهداية إلى أم القرى ومن حولها ، فكيف ينسجم هذا مع القول بأن الإسلام عالمي ؟ في الحقيقة أن هذا الاعتراض جاء أيضا على لسان اليهود وغيرهم من أتباع الأديان الأخرى ظانين أنهم قد أصابوا من عالمية الإسلام مقتلا ، باعتبار أن الآية تحدد مكانه بمنطقة خاصة هي مكة وأطرافها ( 1 ) . الجواب : يتضح الجواب من هذا الاعتراض بالانتباه إلى نقطتين ، بحيث ندرك أن هذه الآية ، فضلا عن كونها لا تتعارض مع عالمية الإسلام ، هي واحد من أدلة عالميته أيضا : القرية بلغة القرآن اسم لكل موضع يجتمع فيه الناس ، سواء كان مدينة كبيرة أم قرية صغيرة ، ففي سورة يوسف - مثلا - جاء على لسان اخوة يوسف يخاطبون أباهم : واسأل القرية التي كنا فيها ( 2 ) ونحن نعلم أنهم كانوا قد رجعوا لتوهم من عاصمة مصر حيث حجز عزيز مصر أخاهم ( بنيامين ) كذلك نقرأ : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ( 3 ) . بديهي أن المقصود هنا ليس القرى في الأرياف ، بل هو كل منطقة مسكونة في العالم . ومن جهة أخرى هناك روايات عديدة تقول : إن اليابسة قد انتشرت من تحت الكعبة ، وهو ما أطلق عليه اسم " دحو الأرض " . كما أننا نعلم أنه في البداية هطلت أمطار غزيرة فغطى الماء الكرة الأرضية برمتها ، ثم غاض الماء شيئا فشيئا واستقر في المنخفضات ، وظهرت اليابسة من
--> 1 - ورد اعتراض بعض المستشرقين بهذا الشأن ذكره صاحب المنار ، ج 7 ، ص 621 ، وفي تفسير في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص 305 . 2 - يوسف ، 82 . 3 - الأعراف ، 96 .